. ومشيت خطوات تقيلة ناحية مكتب جوزي، اللي طالبني أخدمه هو وخطيبته! وعايز ياخد شغلى يديهولها مشيت كل خطوة ناحية المكتب وكأن رجلي متكلبشة بسلاسل حديد.
النفس كان بيخرج بالعافية من صدري، بس جمّعت كل ذرة قوة فضلتي جوايا عشان أبان متماسكة. ما كنش ينفع أضعف، ولا ينفع أخليه يشوف كسرتي قدامها. فتحت الباب ودخلت..كان يوسف قاعد ورى مكتبه الفخم، وجمبه صفا قاعدة على كرسي مجاور وقريبة منه جداً، بتبص له بضحكة ملهاش أي مبرر غير إنها بتستعرض وجودها.
يوسف رفع عينه عليا، ولمحت في نظرة عينيه تحذير صريح وكأنه بيقص لسنانه عشان ما أطيش ولا أقول حاجة تغلطه. صفا بصلتي بابتسامة متكلفة وقالت وهي بتلعب في مفاتيح عربيتها:— "أهلاً..
معلش يا حبيبتي تعبناكِ، بس يوسف كان بيحكيلي إنك أنتِ اللي مسكة الملفات دي كلها، وأنا لما رجعت من السفر قررت أرجع أمسك قطاع الحسابات بنفسي، فكنت عايزة منك تديني ملخص سريع وتسلميني الأوراق عشان أبدأ أشتغل عليها من النهاردة.
"الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. مش بس بيخليني أخدمها، دا بياخد مجهودي وشغلي اللي سهرت فيه ليالي، الشغل اللي اغتربت وسفرت من بلدي عشانه، وبيديهولها على طبق من فضة!
بصيت ليوسف منتظرة أي كلمة منه، أي رد اعتبار لشغلي على الأقل! بس يوسف شبك صوابعه في بعض وقال بنبرة رسمية وجافة خالية من أي مشاعر:— "زي ما صفا هانم قالتلك كده.. صفا هتمسك الإدارة دي من النهاردة بحكم إنها شريكة في الشركة، وأنتِ هتكوني المساعدة بتاعتها الفترة دي لحد ما تراجعوا الملفات سوا وتفهم كل النقط.
""المساعدة بتاعتها؟!".. الكلمة عملت صفير في ودني. حسيت بالدم بيغلي في عروقي. بصيت له وضاغط على إيدي بالملفات لحد ما صوابعي ابيضت. كنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله: "أنا مراتك! أنت إزاي هان عليك تعمل فيا كده؟
تهينني في بيتك وفي شغلي وفي كرامتي؟!"صفا لاحظت سكوتي وقربت خدت الأوراق من إيدي بعنجهية وقالت وهي بتقلب فيها بقلة ذوق:— "تمام أوي.. سيبيهم بقى، ولو احتجتك في حاجة هخلي السكرتيرة تناديلك.. معلش بقى يا يوسف يا حبيبي، محتاجة أراجع دول في مكتبي، تشرب معايا قهوة عقبال ما أخلص؟
"يوسف ابتسم لها بمرونة غريبة، نفس الابتسامة اللي كان بيبتسمهالي زمان في الضلمة، وقالها:— "أكيد طبعاً، يالا بينا."وقام وقف معاها، وعدوا هم الاتنين من جمبي وكأني خيال مآتة، هواء ملوش وجود! صفا كانت بتضحك وهي ماشية جنبه، وهو كان بيبصلي بلمحة تحذيرية ثانية قبل ما يقفل الباب وراهم.
وقفت في نص المكتب لوحدي.. المكان كان فاضي وبارد. مسحت دمعة هربت من عيني بسرعة، وأخدت نفس عميق.. بس المرادي، الدمعة دي ما كانتش دمعة انكسار، كانت آخر دمعة ضعف تنزل مني على يوسف. طلعت من مكتبه ومشيت بثبات غريب ناحية مكتبي.
الوجع اللي في قلبي اتحول لحجر، والكسرة اتجمعت وتصلبت وبقت غضب. يوسف فاكر إنه ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، فاكر إن تهديده ليا بشغلي وبسكوتي هيخليني أستسلم وأرضى أكون الضحية.
قعدت على الكرسي وبصيت للكمبيوتر قدامي.. مسكت تليفوني وإيدي ثابتة المرة دي مش بتترعش، وفتحت القائمة.. وبدأت أدوّر على الرقم الوحيد اللي كنت فاكرة إني مش هحتاجه أبداً. مسكت شنطتي وحاجاتي الخاصة في هدوء تام، ويوسف كان واقف في نص المكتب بيبصلي بذهول، مش مستوعب التغيير المفاجئ اللي حصل في رد فعلي.
كان فاكر إن التهديد بالطرد هيخليني أركع وأعتذر لصفا عشان أحافظ على أكل عيشي، بس النظرة اللي في عيني خلت لسانه يتلجم. صفا اتكلمت بنبرة مليانة تشفي وهي بتبتسم بنصر:— "براحتك خالص.. الشركة مش واقفة عليكِ، وألف مين يتمنى ييجي يشتغل مكانك!

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.