مصطفى قاطع الموقف، ابني الكبير قرب ووقف جنب أبوه، باصص له بحزن عميق: ـ بابا، إحنا مكنش فارق معانا تركب عربية ولا تركب ميكروباص، إحنا كان فارق معانا نحس بالأمان.. إنت جوعتنا عشان تركب حديدة وتخبي وراها فقرك!
حسام مقدرش يرفع عينه في عين ابنه، فضل باصص في الأرض والدموع اتجمعت في عينيه، راجل محبوس بين غروره اللي اتدمر وبين حبل المحكمة اللي اتلف على رقبته خلاص. قعدت قدامه على الكرسي التاني، وبصيت له وبصيت للعيال.
كان ممكن أشمت، كان ممكن ألم هدومي وأقوله طلقني وأسيبه يغرق في البلاوي اللي عملها بغبائه، بس دي مش أنا، والبيت ده بيتي وعيالي دول لحمي ودمي ومش هسمح لمركبنا تغرق عشان نزوة كبرياء من راجل اتعمى عن الحقيقة.
ـ حسام.. ارفع راسك وبصلي هنا. رفع راسه ببطء، مكسور ومذلول، منتظر مني الكلمة اللي تنهي كل حاجة. ـ إنت غلطت، غلطت في حق نفسك وفي حقنا، وظلمتنا وظلمت بيتك عشان شوية مظاهر متسواش مليم..
بس أنا مش هسيب أبو ولادي يتحبس، ومش هسمح لعيالي يشوفوا أبوهم متهان، بس بشرط واحد ملوش تاني.. من اللحظة دي، البيت ده إدارته تتغير بالكامل، وكلامك اللي مبيودي ولا يجيب هينتهي، والحل هيكون طريقي أنا، هتقبل ولا نلم هدومنا ونسيبك تواجه المعرض والمحكمة لوحدك؟
حسام رد من غير تردد وصوته مهزوز: ـ أقبل.. أقبل بأي حاجة، بس انقذيني من الفضيحة دي يا أم مصطفى، أنا مش هتحمل السجن. ـ تمام. من بكرة الصبح، الستين ألف جنيه بتوع المعرض هيتدفعوا كاش، هنروح أنا وإنت نسددهم وناخد وصولات الأمانة ونقطعها بإيدينا.
برق عينيه بذهول: ـ ستين ألف جنيه منين؟! إنتي معاكي المبلغ ده؟! ـ دهبي.. الغويشتين والسلسلة اللي أمي سابتهملي الله يرحمها وما استخسرتهمش فيك زمان.. هبيعهم الصبح ونسدد الدين ده، بس العربية دي مش هتقف دقيقة واحدة تحت البيت!
العربية دي من بكرة الظهر، أول ما تخرج من وظيفتك الحكومية، هتشغل أبلكيشن أوبر وتلف بيها لغاية الساعة تسعة بليل، ويوم الجمعة والسبت من ستة الصبح لتسعة بليل.. عرقك هينزل عشان ترجع تمن دهبي وتسد مصاريف بيتك راجل بشرفك مش بمنظرة كدابة! ـ حاضر.
. والله العظيم حاضر، هنزل ومش هقول لأ على أي قرش حلال. ـ والشرط التاني يا حسام.. المطبخ ده، والأكل ده، مش مجرد وجبة هتاكلها.. أنا عملت اتفاق مع الحاج كامل المقاول، هورد 50 وجبة غدا للموقع يوم السبت، ومصطفى هيشتغل معايا في الحسابات والتسليم بعد دروسه، وعايزة أيدك إنت كمان معايا في التوصيل.
. العربية دي هتنقل الوجبات الصبح للمواقع قبل ما تروح شغلك.. هنبقى إيد واحدة بجد، يا نعيش بكرامتنا سوا، يا مفيش عيشة. حسام مسك إيدي وباسها، والدموع نزلت من عينيه بجد لأول مرة من سنين، حسام مكنش بيبكي على دهب ولا على فلوس، كان بيبكي على نفسه اللي تاهت في الفشخرة، وشاف لأول مرة إن مراته اللي كان بيستقل بيها ويرمي لها 300 جنيه ويقولها اتصرفي، هي طوق النجاة الوحيد اللي حماه من الغرق.
تاني يوم، الشمس طلعت بنور جديد على شقتنا. نزلنا الصبح بدري، بعت الدهب، قلبي وجعني عليه للحظة بس ارتحت لما مسكنا الفلوس ورحنا للمعرض، حسام دخل وهو موطي راسه، دفعنا الستين ألف جنيه بالمليم، واستلم الكمبيالات ومزقها قدام صاحب المعرض اللي كان مستغرب، وخرجنا من المعرض وحسام بيتنفس كأنه لسه مولود من جديد.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.