نزلت السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت كأنها بتفك قيد من إيدي. الشارع كان هادي، والنسيم البارد ضرب في وشي يفك التشنج اللي كان في ملامحي. وقفت لحظة على الرصيف، أخدت نفس عميق للآخِر.. لأول مرة من شهور حسيت إن صدري بيتوسع بالهوا مش بيتخنق بيه.
أجّرت عربية وطلبت منه يطلع على المحطة. طول الطريق كنت باصة من الشباك على أنوار المدينة اللي ظلمتني، مش حاسة بندم ولا حتى بوجع، كان الجرح لسه ناضج آه، بس كان فوقيه طبقة حماية جديدة اسمها "الكرامة".
وصلت المحطة وركبت أول قطر رايح محافظتي. قعدت جنب الشباك، وحطيت راسي على الإزاز.. ومع حركة القطر السريعة وشريط السكة الحديد اللي بيتسحب تحتنا، بدأت ذكريات الشهور اللي فاتت كلها تتسحب ورايا وتسيبني في حالي. نمت من التعب النفسي، نوم عميق مادوقتوش من يوم ما خرجت من بلدنا.
تصحيح الصبح كان على صوت كمساري القطر وهو بينادي باسم المحافظة.. فتحت عيني، وشفت الشمس طالعة فوق بيوت بلدنا، نفس الشمس اللي غابت عني وأنا عايشة في ضلمة السر. نزلت من القطر، وطلعت على بيت أهلي مباشرة.
أول ما فتحت الباب وشفني بابا وماما، اتفاجئوا بوجودي وبشنطتي، بس المحبة والأمان اللي في عينيهم كانوا المصل اللي صلح كل حاجة انكسرت جوايا. ماما جرت عليا حضنتني وهي بتسأل بقلق:— "يا حبيبتي!
إيه المجيء المفاجئ ده؟ ويوسف فين؟"بصيت لبابا وماما، وبابتسامة هادية ورسيّة، قولت لهم:— "أنا رجعت بيتي يا بابا.. رجعت لحضنكم ولأهلي. الجوازة دي انتهت، اتطلقت.
"والدي اتصدم، وقام وقف مكانة بس لما شاف ثباتي ووشي المرفوع، قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بنبرة أب حقيقي:— "المهم إنك بخير يا بنتي.. وطالما رجعتِ وعلى وشك الضحكة دي، يبقى اللي حصل هو الصح. بيتك وأهلك ضهرك وسندك، والصفحة القديمة دي تقفليها وترميها ورا ظهرك.
"مرت الأيام..يوسف في المحافظة الثانية كان فاكر إن الدنيا هتمشي زي ما هو مرتب لها، بس الواقع ضربه في مقتل. استقالتي وسحبي لكل الملفات والمعادلات الحسابية اللي كنت شغال عليها سابت فراغ قاتل في الشركة.
صفا ما كنش عندها أي خبرة، وعكت الحسابات وتسببت في لخبطة كبيرة في تقارير مجلس الإدارة، والشركة بدأت تخسر عقود مهمة بسبب العشوائية. حاول يوسف يتصل بيا عشرات المرات، كان بيبعت رسايل كلها ندام واستعطاف، بيترجاني أرجع حتى ولو عشان أظبط أوراق الشركة وأحط الشروط اللي أنا عايزة، بس أرقامه كلها دخلت القائمة السوداء من أول يوم.
. ما بقاش له وجود في عالمي. أنا من ناحيتي، لميت شتات نفسي. قدمت سي في لشركات كبيرة في المحافظة هنا، وبفضل الخبرة الصعبة والمجهود اللي بذلته زمان، اتقبلت في شركة استثمارية كبيرة بمرتب أحسن وبمكانه تحترمني وتحترم مؤهلاتي.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي الجديد، الشباك بيكشف منظر المحافظة كلها والشمس مالية المكان. السكرتيرة دخلت وحطت قدامي ملف جديد عشان أراجعه. رفعت راسي، بصيت للملف، وبعدين بصيت لنفسي في المراية اللي على المكتب.. شفت ست ثانية خالص، ست ما بقاش يقدر حد يكسرها ولا يساومها على وجودها.
ابتسمت ابتسامة هادية، مسكت القلم، وبدأت أكتب صفحة جديدة في حياتي.. بشرط واحد بس: "أنا وبس، وفي النور دايماً."مرت الأسابيع، وكان وضع الشركة بيكشف كل يوم حجم الورطة اللي يوسف ورّط نفسه فيها لما جازف بشغلي وبوجودي.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.