صفا، اللي كانت فاكرة إن إدارة قطاع الحسابات مجرد وجاهة اجتماعية وكرسي فخم تقعد عليه وتصدر منه أوامر، اصطدمت بالواقع. المعادلة الحسابية الصعبة والربط بين الحسابات الموردين والعملاء اللي كنت شغال عليها بأيدي، ما حدش في الشركة كلها كان فاهم تفاصيلها غيري.
بدأت الأخطاء تظهر في التقارير.. مبالغ متسجلة غلط، ومواعيد تحصيل سقطت من الحسابات، ولخبطة كاملة في السيولة المالية.
في أول اجتماع لمجلس الإدارة، صفا وقفت قدام أعضاء المجلس والشركاء، ومن ضمنهم باباها، مش عارفة تجاوب على أي سؤال تنفيذي أو مالي. الأرقام كانت متضاربة، ولما يحاولوا يستفسروا منها عن التفاصيل، كانت تتهتة وتحاول ترمي التهمة على الموظفين الصغار.
والد صفا — اللي هو الشريك الأكبر في الشركة — اتضايق جداً من المهزلة دي قدام باقي الشركاء. خرج من الاجتماع غاضب، ودخل مكتب يوسف وزعق بصوت كان مسموع في الطرقة كلها:— "إيه اللي بيحصل ده يا يوسف؟
! البنت مش فاهمة كلمة في الملفات! إزاي تسلمها قطاع بحجم ده من غير ما تكون جاهزة؟
أين الموظفة المسؤولة اللي كانت ماسكة الشغل ده ومظبطة كل حاجة؟!"يوسف كان واقف وشه أصفر، مش عارف يقول إيه. ما قدرش يقوله إنه طردني — أو بمعنى أصح إنه زنقني في الزاوية لحد ما مشيت — عشان يسد فراغ صفا!أما صفا، فبدل ما تعترف بقلة خبرتها، قلبت الآية على يوسف.
راحت لباباها واشتكت له إن يوسف هو اللي ساب الشغل يتراكم، وإنه رمى عليها ملفات معقدة من غير ما يشرح لها حاجة عشان يبينها مقصرةقدام المجلس! العلاقة بين يوسف وسطوة باباها بدأت تتأكل وتتوتر بسرعة الصاروخ. وفي نفس الوقت، صفا نفسها بدأت تشك في سبب اختفائي المفاجئ..
الثقة المطلقة اللي كانت عندها اتشرخت. بدأت تلاحظ إن يوسف مش طبيعي، سرحان طول الوقت، عصبي، وكل شوية يبص في تليفونه كأنه مستني مكالمة من حد مش راضي يرد عليه. في يوم، صفا دخلت عليه المكتب من غير ما تخبط، ولقته ماسك الشاشة وبيبص في أرقامي المسجلة باسم وهمي، وبيبعت رسالة اعتذار ورجا جديدة.
مسكت التليفون من إيده بالعافية، وقرأت الرسايل..البيت والشركة قاموا وما قعدوش.
صفا صرخت فيه وعرفت إن كان في حاجة مخبية، وإن البنت اللي كانت فاكراها مجرد "موظفة" كانت واخدة مكانه تانية خالص في حياته، وإن يوسف كان بيستغل الكل وبيستغفلها هي وباباها عشان يحافظ على مصالحه.
النتيجة كانت كارثية على يوسف.. والد صفا قرر يسحب الشراكة بالتدريج ويقلل صلاحيات يوسف في الشركة لحد ما بقى مجرد اسم صورى بلا سلطة فعلية.
وصفا فسخت الخطوبة بعد ما حسيت إن يوسف كان واخدها هي وفلوس باباها كارت جوكر، وإن الشخص اللي ساب مراته وضحى بكرامتها عشان القرشين، ممكن يبيع أي حد في أول ملف خسران. يوسف خسر كل حاجة في وقت قياسي..
خسر بيته، ومراته اللي كانت صايناه وحباه بصدق، وخسر شغله وهيمنته، وحتى صفا اللي كان عامل حسابها وحساب باباها، سابته مكسور ومطأطأ الرأس في نص الطريق.
أما أنا.. فكنت متابعة الأخبار بتوصلني من بعيد لبعيد عن طريق زملاء قدامى، بس الأنباء دي ما بقتش تحرك فيا شعرة. لا شماتة ولا فرحة..
كان مجرد تأكيد على إن ربنا ما بيبسبش حق حد، وإن اللي ينكر الجميل ويبني سعادته على كسر غيره، لازم يقع في نفس الحفرة اللي حفرها بنفسه. في يوم من أيام الشتاء الباردة، وبعد مرور شهرين كاملين على رجوعي لمحافظتي، كنت نازلة من مبنى الشركة الجديدة بعد يوم شغل طويل ومثمر.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.