أول ما خطيت عتبة الباب الخارجي، وقفت رجلي في مكانها..كان يوسف واقف جنب عربيته على الرصيف المقابل.
ملامحه كانت متغيرة تماماً؛ باهت، خسس، وعينيه فيها كمية انكسار ورجا عمره ما كان بيعرفهم زمان. أول ما شافني طالعة، رمى سجايته وسارع بخطواته ناحيتي وكأنه خايف اختفي من قدامه. وقفت في مكاني ببرود تام، حاطة إيدي في جيوب بالطوي، وبصيت له بثبات.
قرب مني وصوته كان بيرتعش، ونبرة الكبرياء والغرور اللي كانت فيه زمان اختفت تماماً:— "أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك.. وعارف إن اللي عملته فيكي ما يغتفرش، بس أرجوكي يا.
.. اسمعيني للمرة الأخيرة، أديني خمس دقائق بس."أخدت نفس هادي وقولتله بنبرة جافة ومستقيمة:— "قول اللي عندك يا يوسف، مع إن مفيش كلام بيننا يتقال.
"طلع من جيب جاكيته علبة قطيفة صغيرة وفتحها قدامي.. كان فيها خاتم ألمظ قيم جداً، ورص أوراق ثانية جنبها وقال بصوت محنوق بالدموع:— "أنا قطعت كل علاقتي بصفا وبأبوها، ورميت الشركة بحالها ورا ضهري.. أنا عرفت قيمتك صح لما مشيتي، وعرفت إن الدنيا كلها من غيرك ولا تسوى.
أنا جاي النهاردة مش عشان أطلب منك تسامحيني على القديم بس.. أنا جاي أبدأ معاكي من الصفحة الأولى."ككمل وهو بيبص في عيني بتوسل:— "أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، ومستعد أعملك أكبر فرح في أكبر فندق في المحافظة هنا قدام أهلك وناسك وكل المعارف..
هعلن جوازنا قدام الدنيا كلها، وهكون خدام تحت رجليكي، بس ارجعيلي.. بلاش تضيعي الحب اللي كان بيننا."بصيت للعلبة القطيفة، وبعدين بصيت لوشه.. حسيت بغصة صغيرة على الأيام اللي كنت أتمنى فيها الكلمة دي منه، بس الغصة دي اختفت في ثانية لما افتكرت هواني عليه، وافتكرت ليلة ما قال لي بكل قسوة: "أنا اتجوزتك وأكتر من كده موعدتكيش".
ابتسمت ابتسامة هادية خفيفة.. ابتسامة تعافي وراحة. قربت منه خطوة، ورجعت العلبة لإيده وقبلت قفلها بنفسي، وقولتله بصوت واطي بس حاسم زي السيف:— "الفرح الجديد والألمظ والعلانية دي كلها كانت ممكن تفرحني زمان يا يوسف.
. يوم ما كنت شايفاك راجل وستري وسندي. بس الفكرة مش في الجواز ولا في الحفلة.. الفكرة إن الشخص اللي حبيتة زمان أكتشفت إنه مش موجود."عينيه دمعت وقال بصوت مكسور:— "يعني مفيش أمل؟
هتهدي كل حاجة وتنسي؟"رديت عليه بثبات:— "أنت اللي هديت كل حاجة يوم ما اخترت تخليني في الضلمة عشان خايف على قرشين. الفرح اللي بتقدمهولي النهاردة ده مش عشان تراضيني، ده عشان تريح ضميرك من الذنب.
. وأنا كرامتي ومشاعري أغلى بكثير من إنها تكون وسيلة لراحة ضميرك. أنا مش راجعة يا يوسف، والصفحة دي اتطوت لاتنسى.
"التفتّ وسيبته واقف في مكانه، العلبة في إيده، ومكسور قدام الشركة اللي بشتغل فيها بكرامتي. مشيت بخطوات واثقة وراسي مرفوعة لفوق، ومن غير ما ألف ولا بصة واحدة ورايا.. كنت عارفة إن الصفحة دي اتسفلت للأبد، وأن حكايتي الحقيقية، المليانة بنور الكرامة، يلا دوبك بتبدأ. تمت

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.