التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وسكتت لثواني طويلة كأن الزمن وقف. الصوت اللي في السماعة كان هادي بس الكلمات نزلت على دماغي زي المطرقة. المستشار رأفت؟ محامي بابا الخاص اللي كان ماسك دفاتره القديمة والصفقات الكبيرة اللي حتى أمي مكنتش بتتدخل في تفاصيلها؟
مسكت الموبايل تاني بإيد بتترعش ورديت وصوتي مخنوق: — ألو... أيوة يا سيادة المستشار، سامعة حضرتك. بتقول وصية تانية؟ مشروطة بالانفصال؟ — تمام يا مدام ياسمين —صوته كان حاسم ووقور زي ما كنت فكراه من سنين—، الحاج صبري، الله يرحمه ويحسن إليه، كان عامل حساب كل خطوة في حياته ومماته.
طلب مني بالنص إن بعد وفـ,ـاته بسنتين بالتمام، أو لو حصل طلاق بينك وبين الأستاذ طارق، أفتح الصندوق والظرف ده بحضورك إنتي ووالدتك الكريمة. وبما إن السنتين خلصوا، وبلغني بالصدفة من زميلة لينا الأستاذة نهاد إن في إجراءات طلاق حصلت النهاردة، فكده الشرطين اتحققوا.
مستنيكم بكرة الساعة حداشر الصبح في مكتبي في قصر النيل. قفلت السكة وبصيت لماما. كانت قاعدة متبعة المكالمة وعينيها مبرقة والسبحة وقفت بين صوابعها: — رأفت؟! وصية إيه وصندوق إيه يا ياسمين؟ أبوكي كان مخبي إيه؟
قعدت جنبها ومسكت إيديها الباردة: — مش عارفة يا ماما، بس بابا عمره ما عمل حاجة غلط في حياته، ولا عمره أذى حد. بكرة الصبح هنروح ونفهم كل حاجة. الليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في عمري.
كل نص ساعة تليفوني يرن، أرقام غريبة، ورقم طارق، ورقم حماتي، ورسايل شتـ,ـيمة ممزوجة بترجي وتهديد. طارق كتبلي رسالة فيها: «انتي فاكرة نفسك هتعلمي عليا قدام أهلي وتخرجي سليمة؟ والله لأقعدك على الحديدة وبنتك دي هحرمك من شوفتها».
عملت للأرقام كلها بلوك، وضميت سلمى في حـ,ـضني ونمت، لأول مرة من سنين أنام نوم عميق من غير ما أصحى مرعوبة من خناقة تانية يوم الصبح. تاني يوم، الساعة عشرة ونص الصبح، كنت قدام عمارة عتيقة في شارع قصر النيل في وسط البلد.
الأسانسير القديم بالقفص الحديد طلع بينا للدور التالت. دخلنا مكتب الأستاذ رأفت، ريحة الورق القديم وخشب الماهوجني فكرتني بريحة بابا لما كان بيرجع من تجارته. الأستاذة نهاد كانت واصلة قبلنا بربع ساعة وقاعدة مستنية، وشها كان فيه فضول محامين مع ابتسامة تشجيع.
المستشار رأفت استقبلنا بترحيب حار، باس راس أمي وقعدنا قدام مكتبه الضخم. — البقاء لله يا حاجة، والحمد لله إن ربنا نجا بنتك في الوقت المناسب. الحاج صبري كان صاحب عمري، وعاش ومات وهو قلبه على بنته الوحيدة.
فتح الخزنة الحديدية الكبيرة اللي وراه، وطلع صندوق خشب مطعم بالصدف مقفول بقفل نحاسي، ومعاه ظرف بني كبير مختوم بالشمع الأحمر. حط الصندوق والمفتاح قدامي على المكتب. — الظرف ده اتكتب وتوثق قبل وفـ,ـاة أبوكي بشهرين اتنين بس يا ياسمين.
يومها جه هنا، قعد على نفس الكرسي اللي إنتي قاعدة عليه دلوقتي، وقالي: «يا رأفت، أنا شاكك في طارق من أول يوم دخل بيتي، طمعان في رزقي وعينه فارغة، بس بنتي قلبها أبيض ومش هتشوف ده غير لما أنا أمـ,ـوت ويقع القناع عنه.
لو بنتي فضلت مستحملة عشان وصيتي، ربنا يعينها، بس لو طفح بيها الكيل أو عدت سنتين وهو لسه بيلوي دراعها، افتحلها الأوراق دي». دموعي نزلت من غير ما أحس، ونهاد كانت بتبص للظرف بتركيز. فضيت الشمع وفتحت الظرف، كان فيه جواب بخط إيد بابا… نفس الخط الرقعة المميز اللي كنت بشوفه في كشاكيل حساباته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.