ذكرى سنوية جوزى ج٢ منى السيد

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

قربت منه وهو داخل البوكس، وقولتله بصوت واطي سمعه هو بس: — بابا مسبلكش حاجة في حياته، بس بعد مماته سابلي أنا اللي يخليني أفرم أي حد يفكر يدوس على كرامتي أو كرامة بنتي. الشنط بتاعتك راحت على بيت أمك في عين شمس، والقواضي اللي هتشوفها في المحاكم السنين الجاية هتخليك تلف حوالين نفسك ومش هتلاقي مليم تصرفه على مشاريعك الوهمية.

ابقى افتكر بقى تسأل أهلك في السنوية الجاية... هو مين اللي نابه حاجة من التاني؟ البوكس قفل بابه، ومشي بيه على القسم. الجيران فضوا التجمع، وكل واحد بدأ يطبطب عليا ويقولي: «جدعة يا بنتي، راجل قليل الأصل وميستاهلش ضفرك».

طلعت شقتي، دخلت الصالة، ريحة البيت كانت هادية ونضيفة، مفيهاش أثر للتوتر ولا للخوف من رجوعه ولا للزن اللي كان بيطحن في دماغي ليل نهار. قعدت على الكنبة اللي كان ممدد عليها قبلها بيوم، وفتحت الشباك، الهوا النضيف دخل ملى الأوض كلها.

مرت ست شهور على اليوم ده. المحاكم مشيت زي الساعة السويسرية بفضل نهاد والمستشار رأفت. إثبات الطلاق طلع رسمي، ونفقة سلمى اتحكم فيها بأقصى مبلغ ممكن يتخصم من مرتبه الحكومي شهرياً، وتنازل هو عن أي حق في حضانة أو نزاع بعد ما عرف حجم القضايا اللي كانت هتدخله السجن بتهمة خيانة الأمانة والشغب ومحاولة التعدي.

سمعت من بعيد إنه رجع قعد في أوضة في بيت أمه، شغال على قد مرتبه، وشه محني قدام كل عيلته وقرايبه اللي عرفوا حقيقته وإن طمعه هو اللي رماه في الحضيض وخلاه يخسر الستر والنعمة اللي كان عايش فيها. أما أنا...

فأخدت ريع المحلات، وبدأت أستثمر جزء منه في تجارة الاستيراد اللي بابا كان بيحبها، كبرت المشروع الصغير وفتحت مكتب باسم «صبري للاستيراد والتجارة»، تخليداً لاسم الراجل اللي علمني إزاي أكون قوية. سلمى دخلتها أحسن مدرسة لغات، وكل يوم الصبح بصحيها بابتسامة وبوصلها بنفسي، وشايفة في عينيها أمان وبراءة كنت محرومة منهم.

وفي يوم السنوية التالتة لوفـ,ـاة بابا... نزلت الصبح بدري، بس المرة دي مكنتش لوحدي ولا مكسورة، ومكنتش مستنية منّة من حد عشان يوصلني. كنت راكبة عربيتي الخاصة، وجنبي أمي، وفي الكرسي اللي ورا سلمى لابسة فستان أبيض جميل وماسكة بوكيه ورد كبير.

وصلنا المقابر عند باب النصر. قعدنا جنب قبر بابا، وزعنا الصدقات على الغلابة والمحتاجين، وقرأنا سورة يس وصوتنا كان هادي ومطمن. حطيت إيدي على الرخام البارد بتاع القبر، وابتسمت من كل قلبي ودمعة دافية نزلت على خدي، وقولتله في سري: «اطمن يا بابا.

.. حفظت وصيتك بجد. حفظت كرامتي، وحميت بيتي وبنتي من اللي كان هيهدهم. حقك رجعلك، واسمك هيفضل مرفوع ومش هيتداس عليه أبداً. نمت إنت يا حبيبي مرتاح... وإحنا عايشين في خيرك وبفضلك بعد ربنا». قومت، مسكت إيد سلمى الصغيرة، وخرجنا من المقابر والشمس طالعة بتدفي المكان كله، وإحنا بنبص لبكرة من غير خوف، ومن غير ما نسمح لأي حد يكسرنا تاني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DM

Doaa Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
45مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

اتفاق بالغدر ج٢ روايات

اتفاق بالغدر ج٢

فضلت واقفة قدام كريم وأنا باصة في شاشة موبايله. اسم واحد بس كان ظاهر قدامي. المأذون. كريم …

Doaa Mohamed 0.0 10 دقائق